محمد هادي معرفة

565

التمهيد في علوم القرآن

وهكذا ورد في سورة الذاريات قال اللّه تعالى : إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ « 1 » ثم قال : فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قالَ أَ لا تَأْكُلُونَ « 2 » وهذا من الاختصار العجيب اللائق بالتنزيل . وثانيها : أن تكون الجملة الثانية واردة على جهة الإيضاح والبيان بالإبدال كقوله تعالى : بَلْ قالُوا مِثْلَ ما قالَ الْأَوَّلُونَ . قالُوا أَ إِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَ إِنَّا لَمَبْعُوثُونَ « 3 » فالقول الأول هو الثاني ، أورد على جهة الشرح والبيان ، لما دلّ عليه الأول ، وقوله تعالى : وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِما تَعْلَمُونَ . أَمَدَّكُمْ بِأَنْعامٍ وَبَنِينَ . وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ « 4 » فانظر كيف شرح الإمداد الثاني ، إيضاحا للأوّل وتقوية لأمره . وقوله تعالى : قالَ يا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ . اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُهْتَدُونَ « 5 » فالاتّباع الثاني وارد على جهة الإيضاح ، وهكذا القول في كل جملة أتت عقب أخرى على الإبدال منها ، فإنها تأتي من غير واو لما ذكرناه . وثالثها : أن تكون الجملة الأولى واردة على جهة الخفاء ، والمقام مقام رفع لذلك اللبس ، فتأتي الجملة الثانية على جهة الكشف والإيضاح لما أبهم من قبل ، ومثاله قوله تعالى : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ « 6 » ثم قال : يُخادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَما يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ « 7 » فجرّد قوله يُخادِعُونَ اللَّهَ عن الواو ، إرادة لإيضاح ما سلف من قوله : آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ ومراده أنّ كل ما كان قولا باللسان من غير اعتقاد في القلب فهو خداع لا محالة ، وهذه هي حالتهم فيما صدر منهم من الإيمان باللسان .

--> ( 1 ) الذاريات : 25 . ( 2 ) الذاريات : 27 . ( 3 ) المؤمنون : 81 و 82 . ( 4 ) الشعراء : 132 - 134 . ( 5 ) يس : 20 و 21 . ( 6 ) البقرة : 8 . ( 7 ) البقرة : 9 .